محمود محمد الحنطور

130

النسخ عند الفخر الرازي

وجد ، فلا بد من تضافر الأدلة عليه ، وأكد على أن النسخ واقع في القرآن الكريم ، وفي الشريعة الإسلامية بأدلة يجب التعويل عليها كلها ، أفضل من التعويل على الدليل الواحد الموجود في سورة البقرة في قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 106 ] ، والآية الثانية : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ النحل : 101 ] . وقوله تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] ، فمجموع الآيات الثلاث ، يعطى الدليل الواضح على وجود النسخ ووقوعه بما لا يدع مجالا لنفوذ الشك أو دخول الريب إلى النفس ، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الرازي لم يقع في تناقض بين ما قاله في المحصول ، وما جاء في التفسير ، وأنه ذكر أدلة الجمهور وزاد عليها مناقشة المنكرين للنسخ ، وأنه لا يقول بالنسخ إلا مع وجود الدليل ، قال في تفسير قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ « 1 » ، قال في تفسيره الكبير في المسألة الرابعة : قال المفسرون : قوله : فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ، معناه لا آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ عليكم والوكيل ، قالوا : إنما كان هذا قبل الأمر بالقتال فلما أمر بالقتال صار حفيظا عليهم ، ومنهم من يقول آية القتال ناسخة لهذه الآية ، وهو بعيد ، فكأن هؤلاء المفسرين مشغوفون بتكثير النسخ من غير حاجة إليه ، والحق ما تقرره أصحاب أصول الفقه إن الأصل عدم النسخ ، فوجب السعي في تقليله بقدر

--> ( 1 ) الرازي : التفسير الكبير 13 / 134 .